الشيخ محمد زاهد الكوثري

146

العقيدة وعلم الكلام ( ويليه نظرة عابرة في مزاعم من ينكر نزول عيسى ( ع ) قبل الآخرة و . . . )

والمقروء ، لأنه صلى اللّه عليه وسلم عنى بالأحمر العربي الفصيح ، وبالأسود الأعجمي ، فالعجمي يقع في قراءته اللكنة والتمتمة ويسلم من ذلك العربي الفصيح فاستمع صلى اللّه عليه وسلم قراءتهم المختلفة وحثّهم ورغّبهم في القراءة وأخبر أن كتاب اللّه واحد ليس بمختلف ولا متغاير ، ثم أعلمهم بمجيء قوم من بعدهم ممن يقوم القراءة تقويم القدح ، فعلم كل عاقل أن كلام اللّه القديم الأزلي ليس مما يعوج فيقوم ، وإنما العوج يقع في قراءة القارئ فيقوم . ويدل عليه أيضا قول ابن مسعود رضي اللّه عنه : عجبت للناس وتركهم لقراءتي وأخذهم قراءة زيد بن ثابت ، وقد أخذت من فيّ رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم سبعين سورة وزيد بن ثابت غلام صاحب ذؤابة . فأضاف ابن مسعود قراءته إلى نفسه ، وأضاف قراءة زيد إلى نفسه ، وأخبر أن قراءته أكمل من قراءة زيد ؛ لأخذه لها من في رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، فغاير بين القراءتين ، ومعلوم عند كل عاقل أن المقروء والمتلو الذي يقرأه عبد اللّه هو المقروء المتلو الذي يقرأه زيد ، وإن كانت قراءة أحدهما غير قراءة الآخر . ويدل عليه ما روي عن عمرو بن مرة قال : سمعت أبا وائل يحدث : أن رجلا جاء إلى ابن مسعود فقال : إني قرأت المفصل كله في ركعة فقال عبد اللّه : هذّا كهذّ الشعر ، لقد عرفت النظائر التي كان رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم يقرن بينهن . وعنه أيضا أنه قال له رجل : إني أقرأ المفصل في ركعة ، فقال عبد اللّه : هذّا كهذ الشعر ، إن أقواما يقرءون القرآن لا يجاوز تراقيهم ولكن إذا وقع في القلب فرسخ نفع . ومعلوم أن ابن مسعود رضي اللّه عنه لم يشبه كلام اللّه تعالى بهذا الشعر ، وإنما شبه قراءة القارئ دون كلام الباري . وأيضا قوله صلى اللّه عليه وسلم : « من قرأ القرآن بإعراب فله أجر شهيد » . وأيضا ما روى أنس بن مالك قال : قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : « من قرأ القرآن متثبتا أو بإعراب كان له بكل حرف فضل أربعين حسنة » . فكل عاقل يعلم ويتحقق أن القراءة المعربة غير القراءة الملحونة ؛ لأن من صحح قراءة الفاتحة صحت صلاته ، ومن ترك ذلك مع قدرته عليه بطلت صلاته . فأما كلام اللّه تعالى القديم فلا يتصف بالصحة وضدها بل هو صحيح على كل حال ، وإن وقع الفساد في القراءة . وأيضا ما روي قتادة قال : قلت لأنس بن مالك كيف كانت قراءة النبي صلى اللّه عليه وسلم ؟ قال : يمد صوته مدا . وأيضا ما روى عبد اللّه بن مغفل قال : رأيت النبي صلى اللّه عليه وسلم يوم الفتح وهو على ناقته أو جمله وهو يسير وهو يقرأ سورة الفتح أو من سورة الفتح قراءة لينة . فمعلوم عند كل عاقل عارف أن الترجيع والمد ، واللين ، إنما تقع في القراءة التي هي صفة القارئ دون كلام اللّه القديم الأزلي ، ومن اعتقد أن الترجيع ،